الكاتب: فاخر السلطان
قضية سبتة ومليلية هي واحدة من أقدم النزاعات الإقليمية بين المغرب وإسبانيا. تقع المدينتان على الساحل الشمالي للمغرب، لكنهما تخضعان للسيادة الإسبانية. وقد احتلت البرتغال سبتة في 1415، ثم انتقلت إلى السيادة الإسبانية في القرن السادس عشر، بينما احتلت إسبانيا مليلية في 1497.
وتعتبر إسبانيا المدينتين جزءا لا يتجزأ من أراضيها، ويتمتعان بوضع “مدينتين ذاتيتي الحكم” ضمن الدولة الإسبانية. فسكانهما يحملون الجنسية الإسبانية ويتردّد بأنهم اختاروا البقاء تحت السيادة الإسبانية.
في المقابل، يعتبر المغرب أن المدينتين أراضٍ مغربية محتلة، ويطالب باستعادتهما عبر الحوار والوسائل السلمية، ويرى أن وجودهما يمثل آخر بقايا الوجود الاستعماري الإسباني في شمال أفريقيا.
ورغم أن هذه القضية تؤثر في العلاقات المغربية الإسبانية، إلا أن البلدين يحافظان على تعاون واسع في مجالات عدة، ولم يتحول النزاع بينهما إلى مواجهة عسكرية، بل يُدار عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.
وقد يُطرح هنا تساؤل: كيف تدافع إسبانيا عن حق الفلسطينيين في استعادة أراضيهم المحتلة من إسرائيل بينما هي تحتل سبتة ومليلية؟
تؤيد الحكومة الإسبانية قيام دولة فلسطينية، وتعتبر أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت عام 1967 يجب أن ينتهي وفق قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، بينما ترى أن حالة سبتة ومليلية تختلف قانونيا وتاريخيا عن القضية الفلسطينية.
ويتهم منتقدو السياسة الإسبانية مدريد بازدواجية المعايير، ويقولون إنها تدافع عن إنهاء الاحتلال في فلسطين بينما ترفض مناقشة سيادتها على سبتة ومليلية. في حين أن الموقف الإسباني الرسمي يرى أن الحالتين غير قابلتين للمقارنة من الناحية القانونية والتاريخية.
وبالتالي، فإن وصف الموقف الإسباني بأنه “ازدواجية” هو “رأي سياسي وأخلاقي” يتبناه كثيرون، خاصة في المغرب، بينما ترفضه الحكومة الإسبانية وتقول إن القضيتين مختلفتان. فهل فعلا القضيتان مختلفتان؟
يعتمد ذلك على المعيار الذي يتم من خلاله الإجابة على السؤال. ففي كلتا الحالتين توجد أرض تطالب بها دولة أخرى باعتبارها جزءا من أراضيها. كما أن في كلتا القضيتين يُستدعى التاريخ والقانون الدولي لدعم المواقف المتعارضة.
لكن الاختلافات في القضيتين تلعب دورا هنا. فمعظم المجتمع الدولي يعتبر الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وتوجد قرارات عديدة من مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية تدعم هذا الأمر. في حين لا توجد قرارات من الأمم المتحدة تُصنف سبتة ومليلية على أنهما أراضٍ إسبانية محتلة أو تُطالب إسبانيا بالانسحاب منهما، كما أن إسبانيا تمارس سيادتها عليهما منذ قرون، وتعدهما جزءا من أراضيها، بينما يرفض المغرب هذا الموقف ويعتبرهما مدينتين مغربيتين محتلتين.
أما “أخلاقيا” فيرى المحللون وجود تشابه يبرّر اتهام إسبانيا بازدواجية المعايير، خاصة من قِبل التيار التحليلي المؤيد للمغرب، والذي يعتقد أن سبتة ومليلية تمثلان آخر معاقل الاستعمار الأوروبي في أفريقيا، حيث ينطلق هؤلاء من مبدأ أن إنهاء الاستعمار يجب أن يشمل جميع الأراضي، وليس بعضها فقط. لذلك، يعتبر هؤلاء أن دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير مع رفض مناقشة سبتة ومليلية يثير تساؤلات حول اتساق المواقف الأخلاقية.
أما التيار المناهض للمغرب فيرى أن مرور عدة قرون على السيادة الإسبانية، ووجود سكان يعتبرون أنفسهم إسبانا، يجعل القضية مختلفة. ويقول هذا التيار إن أي تغيير يجب أن يراعي رغبة السكان المحليين والاستقرار الإقليمي، وليس فقط الاعتبارات التاريخية.
كما هناك رأي آخر يرى أن المغرب يمتلك حجة أخلاقية قوية عندما يصف سبتة ومليلية بأنهما من بقايا الحقبة الاستعمارية. لكنه في الوقت نفسه يرى أن استعادة المدينتين لا يمكن أن تتم إلا عبر تفاوض طويل الأمد، وربما ترتيبات خاصة، لأن الوضع الحالي قائم منذ قرون ولأن سكان المدينتين لهم واقع سياسي واجتماعي مختلف.
لذا، يجب القول إن تهمة “ازدواجية المعايير” تُطرح بانتظام في الأوساط المختلفة عندما تؤيد بعض الدول الأوروبية إنهاء الاحتلال في حالات معينة، بينما ترفض فتح نقاش حول أقاليم تخضع لسيادتها وتطالب بها دول أخرى.

