فاخر السلطان:
إصرار بعض القادة في إيران على عدم وجود انقسام حول الحرب بين المسؤولين والسياسيين، هو في حد ذاته مؤشر على حصول هذا الانقسام وعلى وجود تصدّع في الجبهة الداخلية بين جهة تصر على استمرار الحرب مع أمريكا وعدم تقديم تنازلات لها وبين جهة أخرى تؤكد أن المفاوضات ستنجح في تحقيق مصالح الجمهورية الإسلامية.
فاستمرار المواجهات مع أمريكا ومهاجمة دول المنطقة وإصرار القيادة الإيرانية على تبنّي توجّه سياسي وعسكري متشدد إن صح التعبير، يبدو أنه أدّى إلى تباين شديد في المواقف بين السياسيين وكذلك بين الجماعات المختلفة، ولا شك أن ذلك سيكون له تأثير على تماسك هذه الجبهة. فهل هذا الانقسام يعكس تصدّعا، أم هو مجرد خاافاتٍ طبيعية تحدث في الكثير من البلدان التي تخوض حروبا، وأن الادّعاء بأنه تصدع يردّده السياسيون والمراقبون المنتمون إلى الجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة في الخارج؟
أبرز مؤشرات التصدّع جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي شدد اليوم على أن الحرب لها تكاليفها وأنه يجب عدم تضييع فرصة المفاوضات. وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أدلى بتصريحات أشار خلالها إلى أن الجبهة الداخلية المتأثرة بالحرب لاتزال متماسكة، وأن تجنب الخلاف والتفرقة بين الإيرانيين “هو سر الانتصار في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة”. وحسب بعض المتابعين، تعكس تصريحات بزشكيان حقيقة أن القيادة الإيرانية ترى التماسك الداخلي عاملا أساسيا في مواجهة الضغوط الخارجية.
رغم ذلك، إلا أن واقع الأمر يشير إلى أمر آخر وهو أن التصدّع قد يكون واسعا أيضا وقد يتوسع أكثر في المستقبل. وأبرز مؤشر عليه هو رسالة مجتبى خامنئي الأخيرة والتي دعا فيها المسؤولين والسياسيين الإيرانيين بتجنب الانقسامات والصراعات والاختلافات السياسية.
وحسب مراقبين، ظهرت خلال الفترة الأخيرة تباينات شديدة بين تيارات محافظة ومتشددة وأخرى أكثر براغماتية بشأن ملف التفاوض مع الولايات المتحدة، وإدارة الحرب، والسياسات الداخلية، وصلت فيها الخلافات إلى اتهام مسؤولين بالخيانة، وتنظيم تظاهرات ضد سياسات التفاوض مع الولايات المتحدة، وبروز مطالب من قبل البراغماتيين بعدم الالتفات الى هذه التظاهرات لأنها بتظيم المتشددين وهم أقلية، وأن المصلحة الوطنية تتطلب الالتفات إلى المطالب الشعبية الداعية إلى التفاوض وفق ما تقتضيه هذه المصلحة.
وتدرك القيادة الإيرانية، حسب “رويترز”، أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والعقوبات يمكن أن تجعل أي صراع بين المسؤولين ينعكس على الرأي العام، لذلك يركز خطاب القيادة على أن الوحدة الداخلية عنصر من عناصر الأمن القومي. لكن التباينات الحقيقية والواسعة داخل المؤسسة السياسية وبين السياسيين والجماعات المختلفة لا يمكن إنكارها.
ومعروف أنه عندما تتعرض إيران لهجوم أو تهديد عسكري، يميل جزء كبير من الإيرانيين، بمن فيهم بعض المعارضين للنظام، إلى الالتفاف حول فكرة الدفاع عن البلاد، حتى وإن كانوا ينتقدون نظام الحكم. لكن الانشقاق توسع بسبب ميل القيادة الإيرانية لتبني خطاب الأقلية المتشددة الرافضة للتفاوض مع الأمريكان والمحتجة على تقديم تنازلات وصولا إلى حلول سياسية.
ومما رفع من وتيرة الانقسام، أن مطالب المتشددين أشعلت الجبهة العسكرية في المنطقة، والتي بدورها ساهمت في تفاقم حالة الاستياء الاقتصادي/ الاجتماعي والمتمثّل في عودة الحصار الاقتصادي واستمرار العقوبات ما قد يؤثر في ارتفاع أرقام التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد البطالة، وهي عوامل تسببت في تراجع الرضا الشعبي خلال السنوات الأخيرة. ويُفهم من هذا أن المواقف السياسية والعسكرية المتشددة أثناء الحرب تعني بالضرورة عدم رضا المواطنين عن وضعهم الاقتصادي والمعيشي.
إن تصريحات مجتبى ثم بزشكيان وبعدهما عراقجي هي بمثابة إنذار بخطورة تفجّر الأوضاع، خاصة في ظل ارتفاع وتيرة سعر الدولار في مقابل التومان وخروج تظاهرات قبل أيام في طهران احتجاجا على ذلك، وهي تظاهرات تكررت مرات عدة وكانت سببا في اندلاع العديد من الاحتجاجات الواسعة، كاحتجاجات يناير الماضي حيث الشرارة بدأت بتظاهرات ارتفاع سعر الدولار، لكنها توسعت حتى شملت المطالبة بتغيير النظام ما أدى ذلك إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى.

