فاخر السلطان:
انزعجت إيران من عُمان بفتحها ممر مؤقت ومجاني في الجزء الخاص بها في مضيق هرمز. وحينما بدأت بعض السفن في العبور من الممر، هاجم الحرس الثوري إحدى هذه السفن، الأمر الذي أجبر أمريكا على الرد باستهداف مواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيرة على السواحل الإيرانية. ثم ردّت إيران على ذلك باستهداف البحرين فجر السبت.
يتساءل المراقبون: هل بدأت ورقة مضيق هرمز “بالتآكل” بالنسبة لإيران، بعدما خرقت التفاهم الحاصل مع أمريكا إثر قيام عمان بإنشاء ممر مؤقت في المضيق؟
يبدو أن التوافق في المواقف بين دول الخليج وأمريكا بشأن المضيق، قد ضيّق الخناق على الرؤية الاستراتيجية الإيرانية لهذا الممر البحري الدولي. فإيران تعتمد اعتمادا رئيسيا على ورقة هرمز للدفاع عن مواقفها في الصراع الراهن. وإذا ما تآكلت هذه الورقة، فسشسعر بضعفٍ تفاوضي وعسكري.
لذلك، شنت إيران هجوما على البيان الخليجي الأمريكي الصادر عن اجتماع المنامة، والذي شدد على رفض السيطرة الإيرانية على المضيق ورفض فرض رسومٍ عليه، حيث رحب البيان بإنشاء عمان ممر مائي مؤقت بالقرب من حدودها.
يمكن القول إن التصعيد العسكري الإيراني باستهداف سفينة في الممر العماني، ثم قيامها بمهاجمة البحرين بمسيرات، هو تصعيد مرتبط “بتآكل” ورقة هرمز. مع ذلك، يعتقد المراقبون أن هذا التآكل لا يزال نسبيا وأن الورقة لم تفقد قيمتها الاستراتيجية بعد.
تكمن مؤشرات هذا التآكل في التالي: فبعد أشهر من الاضطرابات في أسواق الطاقة جراء الحرب، ساهم اتفاق الهدنة الأمريكي الإيراني في فتح المضيق وانتعاش أسواق النفط، حيث انخفضت أسعار النفط مقارنة مع بداية أزمة الحرب ثم ذروتها، حيث عاد جزء كبير من تدفقات النفط عبر المضيق. ويعتقد بعض المراقبين أن تصعيد الجمعة قد يؤثر نسبيا على هذا الانتعاش، لكنه لن يصل إلى حد عودة كامل ازمة الطاقة مجددا.
المؤشر الثاني يكمن في اعتماد بعض دول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات، على خطوط أنابيب بديلة تقلل جزئيا من الاعتماد على المضيق، وهو ما يحد من قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط مطلقة.
لكن، لا تزال أي حادثة بحرية في المضيق أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، حتى لو لم تُغلق الملاحة بالكامل، ما يعني أن إيران ما زالت قادرة على فرض “تكلفة” على الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، لا ينبغي المبالغة في الحديث عن تآكل ورقة هرمز، فنحو خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر المضيق، ولا توجد حتى الآن بدائل تستطيع تعويض هذا الحجم بالكامل. ويكفي أن ترفع إيران مستوى المخاطر الأمنية، دون إغلاق المضيق كليا، لكي ترتفع أقساط التأمين وأسعار النفط، وهو تأثير سياسي واقتصادي خطير.
وحسب “رويترز” ما يحدث هو تحول في طبيعة هذه الورقة: فبدلا من التهديد بالإغلاق الكامل، أصبحت إيران تعتمد أكثر على التهديد باضطراب الملاحة ورفع تكلفة المرور. وقد رأينا حتى بعد الهدنة أن هجوما على سفينة أدى إلى تباطؤ حركة الناقلات مؤقتا وإعادة المخاوف إلى الأسواق.
إن ورقة هرمز لم تعد بالقوة نفسها التي كانت قبل الحرب. فهي ما زالت أداة ردع وضغط مؤثرة، إلا أن قدرة المجتمع الدولي على التكيف معها، وتطوير بدائل جزئية، قلّلت من فعاليتها.

