مقال للكاتب: فاخر السلطان
أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن بلاده مستعدة لاحتمال خفض الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، في وقت قالت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة ستسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا من أصل 35 ألف جندي.
ويعكس هذا التطور تراجعا في العلاقات بين واشنطن وبرلين بعدما وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات علنية للرئيس الألماني فريدريش ميرتس، متهما إياه بسوء تقدير التهديد الإيراني، بعدما كان الأخير قد صرّح بأن الولايات المتحدة “تعرّضت للإهانة” من قِبَل إيران، وإثْر ذلك قال ترامب إن بلاده تعتزم خفض وجودها العسكري في ألمانيا. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التراجع في العلاقات بين البلدين يمكن اعتباره صراعا أم تباينا بالمصالح؟
وفق مراقبين، يمكن الإشارة إلى أسباب عديدة للتراجع، مثل الحرب الأمريكية الإيرانية حيث يمثّل الموقف من الحرب أو التصعيد ضد إيران نقطة خلاف رئيسية. كذلك يضغط الأمريكان على الألمان لزيادة إنفاقهم الدفاعي داخل الناتو، وهو ما دفع ترامب، فيما لو لم تستجب برلين له، للتهديد بسحب القوات. فألمانيا تنفق أقل من 2% من الناتج المحلي في الناتو، ما اعتبرته أمريكا “تقاسمًا غير عادل للأعباء”.
ويشكّل الدور الروسي في أوروبا قلقا للجانب الأمريكي. ورغم اعتماد ألمانيا لسنوات على الغاز الروسي، خاصة عبر مشروع “نورد ستريم 2″، إلا أن واشنطن عارضته بشدة لأنه يزيد نفوذ روسيا في أوروبا.
أما الحرب الأوكرانية الروسية، فقد أحدثت توترا سياسيا لدى الألمان حول طبيعة القيادة الأمريكية. فقد ظهرت خلافات حول مدى اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، خاصة مع تغيّر السياسات الأمريكية. وبعض القرارات الأمريكية (مثل إدارة الحرب أو عدم التشاور الكامل مع الحلفاء) أثارت انتقادات ألمانية، إلى أن وصل الخلاف بينهما إلى الدور الألماني في الناتو. بمعنى أن العلاقة بين الطرفين أصبحت فيها “حساسية” سياسية أكبر مقارنة بفترة ما قبل الحرب. وكان استطلاع للرأي أجرِيَ مؤخرا أشار إلى أن 38% فقط من الألمان يعتبرون أمريكا شريكا موثوقا في حرب أوكرانيا.
من جانب آخر، يتحدث المراقبون عن خلاف يتعلق بالفائض التجاري الألماني الكبير مع أمريكا. فواشنطن ترى أن برلين تستفيد أكثر مما ينبغي من العلاقات التجارية، خصوصا في قطاع السيارات والصناعات. يأتي ذلك فيما وجه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة للمستشار الألماني، وأشار إلى “ضرورة إصلاح بلاده المنهكة”، ما أضفى طابعا “شخصيا” على الخلافات.
قد لا تكون هذه الخلافات صراعا بقدر ما هي تباينات في المصالح والرؤية. فالعلاقة بين الدولتين ما زالت تعكس تحالفا قويا، لكن الخلافات تدور حول من يقود، ومن يدفع، وكيف تُدار العلاقات مع القوى الكبرى.
على سبيل المثال، تتبنى الولايات المتحدة موقفا متشددا تجاه الصين، بينما تحاول ألمانيا الموازنة بين المصالح الاقتصادية (الصين سوق مهم) والضغوط السياسية الأمريكية. وتدعم ألمانيا فكرة أن يكون لأوروبا دور مستقل أمنيا وسياسيا، لكن واشنطن قد تنظر إلى ذلك على أنه ابتعاد عن القيادة الأمريكية.
لقد كان هناك اعتماد اقتصادي ألماني كبير على الصين، لكن ألمانيا بدأت ترى الصين كمنافس استراتيجي وخطر اقتصادي. وفي واقع الأمر بدأت الحكومة الحالية بتقليل الاعتماد على بكين، وليس التقارب معها.
إن ألمانيا، حسب العديد من المراقبين، لا “تبتعد” عن الولايات المتحدة، لكنها تحاول إعادة توازن علاقتها معها بما يخدم مصالحها الخاصة أكثر من السابق. فألمانيا، مع فرنسا، تدفع نحو تقليل الاعتماد الكامل على واشنطن، خصوصًا في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والطاقة.
إضافة إلى ذلك فإن النقاش الداخلي في ألمانيا بين تيار يريد علاقة قوية مع أمريكا وآخر يدعو لسياسة أكثر استقلالا، خاصة تجاه الصين وروسيا، أضفى بعدا جديدا على الخلافات. فالاتجاه العام في ألمانيا يميل إلى الجمع بين الاثنين: الحفاظ على التحالف مع أمريكا، مع تصاعد للتيار الداعي إلى قدر أكبر من الاستقلال الأوروبي، خصوصًا بعد التوترات الأخيرة.
إن الحكومة الألمانية الحالية مؤيدة لعلاقة قوية مع الولايات المتحدة. وألمانيا “تاريخيا” مرتبطة بأمريكا عبر الناتو، الأمر الذي لا يزال حجر الأساس للأمن الأوروبي. والمستشار الألماني شدد مؤخرا على “أهمية الشراكة عبر الأطلسي” رغم الخلافات. إضافة إلى أن التهديد الروسي، بعد حرب أوكرانيا، جعل الاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية صعب الاستبدال.
على الرغم من كل ذلك، فإن التيار الداعي لمزيد من الإستقلال عن الولايات المتحدة هو في صعود. وصعوده هذا مرتبط، حسب مراقبين، بتراجع الثقة في أمريكا. وكانت التصريحات الأمريكية الداعية لسحب القوات من ألمانيا، قد عززت فكرة أن أوروبا يجب أن تعتمد على نفسها. كما دعا مسؤولون ألمان بوضوح إلى “تحمّل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها”. وعليه زادت النقاشات بشأن بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة.
إن هذا السؤال سيظل متداولا وبارزا في الفترة القادمة: أي تيار ألماني سيجر الأمور إلى ناحيته؟!

