مقال للكاتب: فاخر السلطان
“أسس النظام الإيراني تصدّعت”، هذا ما يقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو. ولكن، هل فعلا ما يقوله صحيح؟ فخلال مراسم وداع رئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع، قال نتنياهو إن “الثمن الذي دفعته إيران كان باهظا، وأسس النظام الإيراني قد تصدّعت”، مضيفا: “أقول لكم إن نهاية النظام الإيراني ستأتي”. واعتبر أن التطورات الأخيرة تركت آثارا عميقة على بنية النظام في طهران، مشددا على أن ما جرى لن يمر من دون تداعيات داخلية على إيران.
حسب بعض المحللين، هناك فرق بين إضعاف النظام، وتصدّع أسس النظام، واقتراب سقوط النظام. فرغم الظروف التي تعرض لها النظام في إيران خلال السنوات القليلة الماضية، من حروب خارجية ومواجهات داخلية شرسة وضغوط اقتصادية ومعيشية وفقدان القيادة الرئيسية مع غالبية رموز الصف الأول من العسكريين وتراجع الدور الإقليمي للنظام بعد تعرض حلفائه وأذرعه لضربات موجعة، رغم كل ذلك إلا أنه يمكن القول إن النظام قد ضعف لا “تصدّع”.
الذي يدفع للتشكيك في وصف “تصدّع”، هو أن ركائز النظام الأساسية ما زالت قائمة. فالمؤسسة الدينية الحاكمة ما زالت متماسكة، والحرس الثوري ما زال القوة العسكرية والأمنية الأكثر نفوذا في البلاد، وأجهزة الأمن والقضاء والإدارة الحكومية ما زالت تعمل. بمعنى أنه لم تظهر حتى الآن انشقاقات واسعة داخل النخبة الحاكمة أو المؤسسة العسكرية.
من جانب آخر، لا توجد حركة معارضة إيرانية موحدة قادرة على تقديم بديل سياسي متفق عليه. وفي تجارب كثيرة حول العالم، الأنظمة لا تسقط عادة بسبب الضغط الخارجي وحده، بل عندما يجتمع الضغط الخارجي مع انقسام داخلي كبير داخل أجهزة السلطة نفسها.
ورغم أن الاحتجاجات التي جرت في يناير الماضي وسقط خلالها الآلاف بين قتلى وجرحى، اعتبر المتابعون أن رضا بهلوي استطاع ولأول مرة منذ عام 1979 أن يفرض نفسه قائدا للمعارضة، لكنه واجه معارضة قوية لهذه القيادة ولمشروعه البديل المسمى “بالملكية الدستورية” من جانب طيف غير قليل من هذه المعارضة. بمعنى أن حركة المعارضة ضد الجمهورية الإسلامية لا تزال تواجه انشقاقا ينعكس في عدم قدرتها على التوحّد وعلى تقديم نفسها كبديل للنظام الإسلامي.
أما النظام في طهران، فقد أصبح أضعف مما كان عليه في مراحل سابقة، لكنه لا يزال يحتفظ بالأدوات الأساسية التي تسمح له بالاستمرار والسيطرة على الدولة. لذلك فإن تصريح نتنياهو يُنظر إليه غالبا على أنه جزء من الحرب السياسية والإعلامية، حتى لو استند إلى مؤشرات ضعف حقيقية داخل إيران.
فالنظام يستند إلى خمس ركائز رئيسية مترابطة. وقوة النظام لا تعتمد على شعبية الحكومة، بل على تماسك هذه الركائز مجتمعة. وحسب المحللين، أولى هذه الركائز، مبدأ ولاية الفقيه، والذي ضعف كثيرا بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، لكنه لا يزال يمارس مفعوله القيادي رغم الكثير من الشكوك حول موقع البديل مجتبى خامنئي. ثاني ركيزة، هي الحرس الثوري، حيث هو الأقوى بين الخمسة لأنه يسيطر على برنامج الصواريخ ويهيمن على جزء كبير من الاقتصاد وعلى قوات الباسيج وهو من أسّس شبكات النفوذ الإقليمية أو الأذرع.
الركيزة الثالثة، هي البنية المؤسسية للدولة والتي تشمل الرئاسة والسلطة التشريعية والقضائية والوزارات والمحافظات. أما الركيزة الرابعة فهي أكثر ركيزة تعرضت للاهتزاز والضغط، والمتمثلة بالشرعية الاجتماعية والقاعدة الشعبية. ورغم أن مستوى الرضا الشعبي في إيران تراجع بقوة مقارنة بفترات سابقة، لكن انخفاض التأييد الشعبي لا يعني تلقائيا انهيار النظام، فكثير من الأنظمة استمرت سنوات طويلة رغم تراجع شعبيتها.
الركيزة الخامسة هي الموارد الاقتصادية والشبكات المالية، والتي تعرضت لضربة قوية جراء الحرب الأخيرة وبسبب تصاعد وتيرة العقوبات الأمريكية إضافة إلى الحصار الذي فرضه الرئيس الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
في تصوّري أن “تصدّع” النظام ممكن أن يحدث حينما تتعرض جميع هذه الركائز لهزات قوية ما يجعلها غير قادرة على إدارة الدولة. وحسب المتابعين، فإن الأنظمة المشابهة لا تسقط عادة بسبب العقوبات أو الاحتجاجات وحدها، بل عندما تجتمع ثلاثة عوامل: أزمة اقتصادية حادة، وتراجع الشرعية الشعبية، وانقسام داخل النخبة الحاكمة أو الأجهزة الأمنية. ويبدو أن العامل الأخير لايزال صامدا بل وقويا إلى حد ما، وقادرا على احتواء “التصدّع”.

