مقال للكاتب: فاخر السلطان
هل خسرت الإمارات اقتصاديا من خروج الإيرانيين منها؟ ومن هو الخاسر الأكبر من تدهور العلاقات، هل هي الإمارات أم إيران؟
تقول التقارير إن العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإيران كانت لعقود علاقات متشابكة للغاية، خصوصا عبر دبي، حيث لعب التجار ورؤوس الأموال الإيرانية دورا مهما في التجارة وإعادة التصدير والعقارات والخدمات المالية. لذلك فإن أي تدهور كبير في العلاقات يترك أثرا على الطرفين، لكن بدرجات مختلفة وفي قطاعات مختلفة.
فالإمارات خسرت بالفعل بعض المكاسب الاقتصادية من تراجع الحضور الإيراني، ومن أبرزها: انخفاض جزء من نشاط إعادة التصدير عبر دبي إلى إيران بسبب العقوبات والقيود المصرفية، وتراجع بعض الاستثمارات الإيرانية الخاصة والتحويلات المالية، وتأثّر قطاعات كانت تعتمد على رجال الأعمال الإيرانيين، مثل بعض مجالات التجارة والشحن والعقارات التقليدية في دبي والشارقة، وفقدان جزء من دور الإمارات كقناة تجارية شبه حصرية لإيران نحو العالم.
لكن في المقابل، استطاعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة تعويض جزء كبير من هذه الخسائر عبر جذب رؤوس أموال روسية وآسيوية وغربية، وتنويع الاقتصاد باتجاه التكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة والذكاء الاصطناعي، وتعزيز علاقاتها مع الهند والصين وأفريقيا، والتحول إلى مركز مالي عالمي أقل اعتمادا على السوق الإيرانية وحدها.
أما إيران، فخسارتها من تدهور العلاقات كانت أعمق من الناحية الهيكلية، لأن الإمارات كانت منفذا ماليا وتجاريا رئيسيا لإيران في ظل العقوبات، ومركزا مهما للواردات غير المباشرة والتكنولوجيا والقطع الصناعية، وقناة للدولار والتحويلات والشركات الوسيطة، وبوابة لرجال الأعمال الإيرانيين إلى الأسواق العالمية.
ومع تشديد الرقابة المالية الدولية، واجهت الشركات الإيرانية صعوبات أكبر في استخدام النظام المالي الإماراتي، ما رفع تكاليف التجارة على إيران وأضعف قدرتها على الالتفاف على العقوبات.
لذلك، الراجح أن إيران كانت الخاسر الأكبر من تدهور العلاقات، لأن اعتمادها على الإمارات كان أكبر بكثير من اعتماد الإمارات عليها.
يقول مراقبون إن إيران استفادت اقتصاديا من دول عديدة في المنطقة، وأن تدهور علاقاتها مع الإمارات يمكن تعويضه. من المعروفٌ أن أكثر الدول التي استفادت منها إيران اقتصادياً في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة هي الإمارات والعراق وتركيا، وبدرجات أقل عُمان وقطر. لكن الدولة الأهم لإيران اقتصادياً وتجارياً في المنطقة هي الإمارات والعراق.
فالإمارات كما قلنا تُعتبر الرئة التجارية والمالية لإيران. وظلت دبي لعقود مركز إعادة تصدير للبضائع إلى إيران ومنفذاً للقطاع الخاص الإيراني ومحطة للتحويلات المالية والتجارة غير المباشرة. وحتى في فترات العقوبات الشديدة، بقيت التجارة الإماراتية الإيرانية ضخمة مقارنة ببقية دول الخليج، وكثير من السلع الغربية والآسيوية كانت تصل إلى إيران عبر وسطاء في الإمارات. لذلك يمكن اعتبار الإمارات أهم شريان تجاري ومالي إقليمي لإيران. ودبي تحديداً ربحت تاريخياً من دورها كوسيط تجاري مع إيران.
أما بالنسبة للعراق فهو أهم سوق اقتصادي مباشر لإيران، وأكبر سوق للصادرات الإيرانية غير النفطية في المنطقة، ومصدر مهم للعملة الصعبة، ومنفذ للطاقة والكهرباء والغاز الإيراني، ومجال نفوذ اقتصادي واسع للشركات والمنتجات الإيرانية.
بجملة أخرى، تستفيد إيران من العراق بطريقة مختلفة عن الإمارات. فالعراق هو سوق استهلاكي ونفوذ اقتصادي مباشر. بينما الإمارات هي منصة مالية وتجارية عالمية. لهذا، فإن أي اضطراب في العراق ينعكس سريعاً على الاقتصاد الإيراني، خصوصاً في ملف الطاقة والصادرات غير النفطية.
فيما يخص تركيا، فهي شريك كبير لإيران لكنها منافس أيضاً. فتوجد بين البلدين تجارة حدودية واسعة، وتساهم تركيا في شراء الطاقة والغاز الإيراني أحياناً، كما أنها قناة عبور نحو أوروبا وآسيا. لكن علاقة إيران مع تركيا أكثر تنافسية وأقل اعتماداً أحادياً مقارنة بالعراق أو الإمارات.
إذاً، بإغلاق الإمارات قنواتها التجارية بالكامل أمام إيران، ستتضرر طهران بشدة في التجارة والتحويلات. ولو فقدت إيران السوق العراقية، ستخسر منفذاً اقتصادياً ضخماً لصادراتها ونفوذها الإقليمي. وعليه، فإن الإمارات هي الأهم مالياً ولوجستياً بالنسبة لإيران، والعراق هو الأهم كسوق ونفوذ اقتصادي مباشر، بينما تركيا هي شريك استراتيجي مهم لكن أقل حساسية من الإمارات والعراق.
إضافة إلى ما ذُكر، فإن الإمارات لم تتعرض لانهيار اقتصادي بسبب تدهور علاقاتها مع إيران. فاقتصاد الإمارات هو اقتصاد متنوع جدا ولا يعتمد على الإيرانيين كما كان في التسعينيات وبداية الألفية. كما رأينا كيف أثر بشكل إيجابي على الاقتصاد الإماراتي، دخول رؤوس أموال جديدة بعد الحرب الأوكرانية، كدخول أموال روسية ضخمة.
لقد استفادت الإمارات من العقوبات على إيران. فبعض الشركات الدولية فضّلت نقل أعمالها إلى دبي بدلا من التعامل المباشر مع إيران. كما أن جزءا كبيرا من الإيرانيين لم يغادر الإمارات، فلا تزال هناك جالية إيرانية كبيرة ومؤثرة اقتصاديا في دبي، وإن كانت أقل حرية من السابق في بعض الأنشطة المالية.

