اتخذ وزير الدفاع الأمريكي السابق ومدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، الديمقراطي ليون بانيتا، موقفا متحفظا بصورة واضحة تجاه إمكانية تحقيق نصر سياسي وعسكري أمريكي “حاسم” في الحرب الراهنة ضد إيران.
وقال بانيتا في لقاء مؤخرا إنه لا يرى طريقا واضحا لإنهاء الحرب، وحذّر من أن العمليات العسكرية وحدها لا تعالج جذور الصراع، واصفا الوضع بأنه “مأزق” للولايات المتحدة.
وأكد بانيتا أن الهدف الأساسي الذي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إليه، أي تغيير النظام الإيراني، لم يتحقق، مشيرا إلى أن الطرفين أصبحا “منهكين ويرغبان في إنهاء الحرب”، وأن الحرب “لا يمكن كسبها”.
تؤكد فكرة بانيتا على عدم قدرة الولايات المتحدة إلحاق هزيمة سياسية وعسكرية بإيران، حيث أن التفوق العسكري والمتمثل في القدرة على تدمير المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، لم يؤد إلى هزيمة سياسية متمثلة في إسقاط النظام في طهران أو إقامة نظام بديل.
فإيران لا تزال تستطيع مواصلة الحرب بوسائل غير تقليدية، خصوصا الصواريخ والطائرات المسيّرة وإغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز ومهاجمة دول المنطقة. وحسب مراقبين، كلما طال أمد الحرب ارتفعت التكلفة الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة. لذلك فإن تحقيق تفوق عسكري لا يعني بالضرورة تحقيق “نصر” بالمعنى الاستراتيجي.
وكان بانيتا قال في أواخر مارس إن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا أضرارا عسكرية هائلة بإيران، وإن هذه الأضرار يمكن استخدامها كورقة ضغط للتوصل إلى اتفاق، لكنه حذر في الوقت نفسه من ضياع نافذة التفاوض.
ثم قال في مايو إن الحرب بدأت تتحول إلى “حرب إلى الأبد”، لأن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته، وكل طرف يخشى أن يبدو ضعيفا أمام الآخر.
وبعبارة أخرى، يرى بانيتا أن تحويل التفوق العسكري إلى نصر سياسي هو المشكلة الحقيقية بعد خمسة أشهر من الصراع. لهذا يعتبر استمرار الحرب دون هدف سياسي قابل للتحقيق قد يؤدي لحرب طويلة ومكلفة.
تكمن أهمية تصريحات بانيتا أنها تنبع من خلفيته. فهو كان على رأس الاستخبارات الأمريكية ووزارة الدفاع. لذلك، عندما ينتقد الحرب مع إيران أو يشكك في إمكانية تحقيق نصر استراتيجي فيها، فإن كلامه يأتي من شخص لديه خبرة مباشرة في إدارة العمليات الاستخباراتية والعسكرية.
إن جوهر انتقاد بانيتا لترامب هو أنه لا أفق واضح للقوة العسكرية لحل المشكلة الأساسية في إيران والمرتبطة باستمرار نظام الحكم. وحسب محللين، فإن ترامب يسعى من خلال عودة الضربات لإظهار أن الولايات المتحدة تستطيع إجبار إيران على التراجع.
لكن إيران ما زالت قادرة على الرد، كما أن كل جولة جديدة من القتال تجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة، وبالتالي قد يجد ترامب نفسه مضطرا إلى تصعيد إضافي لتحقيق نتيجة لم تتحقق بالتصعيد السابق. وهذا ما يجعل بانيتا يخشى من التحول إلى حرب طويلة.
ويبدو مضيق هرمز نقطة مركزية في تفكير بانيتا. ففي مقابلة سابقة له حذر من أن قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط، تمنحها أداة ضغط يمكن استخدامها مرارا ضد الولايات المتحدة والدول الأخرى. وقال في مقابلة في مايو إن إغلاق المضيق يؤثر في الهند والصين وغيرهما، ولذلك فإن الحل الدبلوماسي ينبغي أن يضم دولا أخرى للضغط على إيران من أجل فتح المضيق.
بمعنى آخر، يرى بانيتا أن هرمز هو مفتاح المشكلة الاستراتيجية، فإذا بقيت إيران قادرة على تهديد الملاحة، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع إعلان النصر حتى لو دمرت آلاف الأهداف الإيرانية.
في اعتقاد بانيتا هناك فرصة لإنهاء الحرب، لكنه يرى أن ذلك يتطلب تغيير المسار من العسكري إلى الدبلوماسي. وفيما أكد صراحة على وجود مخرج دبلوماسي، أشار إلى حاجة الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط الدولي وإشراك دول أخرى، خصوصا أن إغلاق هرمز يضر دولا مثل الهند والصين.
المشكلة التي يراها بانيتا هي أن استمرار الضربات يجعل كل طرف أكثر تمسكا بموقفه، بينما لا يوجد طرف قادر على تحقيق استسلام كامل للطرف الآخر.
يمكن تلخيص ما يريده بانيتا في النقاط الخمس: أن الحرب دخلت في مسار لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق فيه انتصارا حاسما. أن القوة العسكرية تستطيع إضعاف إيران لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج تسوية سياسية. أن استمرار الحرب سيستنزف الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا. أن إيران تمتلك ورقة استراتيجية مهمة جدا هي مضيق هرمز.
الحل الحقيقي، في نظر بانيتا، هو إيجاد مخرج تفاوضي بدل الاستمرار في دورة الضربات والردود.

