فاخر السلطان:
يكره بعض العرب والمسلمين مواقف ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري الأمريكي الذي توفي “إثر وعكة صحية مفاجئة” أعلن عنها مكتبه اليوم الأحد، خاصة مواقفه السياسية المتعلقة بالشرق الأوسط.
فهو يُعد من أكثر السياسيين الأمريكيين تأييدا لإسرائيل، ودافع مرارا عن عملياتها العسكرية، بما في ذلك خلال حرب غزة. ودعا في مناسبات متعددة إلى توجيه ضربات عسكرية لإيران، وساند سياسة “الضغط الأقصى” عليها.
كما أيّد غراهام التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان، وتبنى مواقف متشددة في ملفات سوريا وغيرها، ويرى منتقدوه أن هذه السياسات ساهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي. وهو يُعرف باستخدام لغة قوية وصريحة في القضايا الأمنية والعسكرية، ما يراه منتقدوه “تصعيديا واستفزازيا”.
حسب “سي إن إن” فإن توقيت وفاة غراهام أثار تكهنات واسعة، حيث انتشرت ادعاءات غير مؤكدة تشير إلى احتمال تعرضه للتسميم أو الاغتيال على يد إيران أو روسيا.
وقد ازدادت هذه النظريات انتشارا بعدما احتفت وسائل إعلام إيرانية بوفاة غراهام، بينما زعمت منشورات متداولة عبر الإنترنت أن الحرس الثوري الإيراني كان قد حدّد غراهام مؤخرا كهدف. كما أن زيارته الأخيرة إلى كييف ودعوته إلى فرض عقوبات أشد على روسيا زادتا من حدة هذه التكهنات.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أي أدلة علنية تدعم مزاعم تعرضه للتسميم أو وجود ضلوع لجهة أجنبية في وفاته. فهل تم تسميم غراهام على يد إيران أو روسيا، أم أن نظريات المؤامرة تملأ الفراغ المعلوماتي المحيط بوفاته المفاجئة؟
لدى غراهام مؤيدون كثر في الأوساط العربية والمسلمة، خصوصا من يرون أن مواقفه المتشددة تجاه إيران أو الجماعات المسلحة تخدم مصالحهم الأمنية أو السياسية. لذلك، يختلف تقييم غراهام باختلاف الموقف السياسي لكل شخص أو دولة، ولا يمكن القول إن جميع العرب أو جميع المسلمين يكرهونه، فالمواقف تجاهه متنوعة وتعكس اختلاف الرؤى السياسية.
لذا من يعتبرون السياسات الإيرانية تهديدا لبلدانهم، يرون أن تبني غراهام لمواقف حازمة تجاه إيران وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، يتوافق مع رؤيتهم. وكان غراهام دافع في مناسبات عديدة عن أهمية الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، ورأى أنها ضرورية لاستقرار المنطقة.
أما موقفه من الجماعات المسلحة، فهو يؤيد السياسات الأمريكية الصارمة تجاه جماعات مثل داعش والقاعدة، الأمر الذي يلقى قبولا لدى من يرون أن هذه الجماعات تمثل خطرا.
لذلك، فإن تأييد غراهام بين العرب والمسلمين ليس تأييدا شاملا لكل مواقفه، بل غالبا يكون مرتبطا بملفات محددة، مثل السياسة تجاه إيران أو الأمن الإقليمي، بينما قد يعارضه المؤيدون أنفسهم في ملفات أخرى.
على سبيل المثال، شهد موقفه من الرئيس السوري أحمد الشرع تطورا ملحوظا. ففي الماضي كان ينظر إلى الشرع (المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني) بريبة بسبب تاريخه في الجماعات الجهادية، لكنه غيّر لهجته بعد تولي الشرع السلطة في سوريا.
في تصريحات حديثة، قال إن الولايات المتحدة ينبغي أن تمنح الشرع فرصة لبناء حكومة مستقرة، وأشاد بجهوده في تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا، معتبرا أن ذلك قد يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية إذا استمر.
بشأن سياسات النظام الإيراني، فإن غراهام يؤيد العقوبات الاقتصادية ضده، ويدعو إلى منعه من امتلاك سلاح نووي بكل الوسائل، وأيد مرارا خيار توجيه ضربات عسكرية إذا اقتضى الأمر، كما يصف النظام بأنه أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وبخصوص جماعة حزب الله، يصنفها غراهام بالإرهابية، ويدعو إلى إضعافها عسكريا وسياسيا، ويرى أنها الذراع الرئيسية لإيران في لبنان والمنطقة. كما دعا إلى دعم إسرائيل في مواجهتها مع الجماعة، وأيد مشاركة أمريكا إذا توسع النزاع.
أما موقفه تجاه دول الخليج فهو في العموم موقف إيجابي، وهو يرى أن الشراكة الأمنية مع هذه الدول ضرورية لمواجهة إيران، ولدعم استقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وبشأن إسرائيل فهو متشدد في الدفاع عنها. فهو يُعتبر من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي دعما للدولة العبرية: يؤيد تقديم مساعدات عسكرية كبيرة لها، ويدافع عن حقها في استخدام القوة ضد حماس وحزب الله، ويساند توسيع التعاون الأمني والعسكري بين واشنطن وتل أبيب.
بشأن الإسلام السياسي، يميّز غراهام بين الإسلام كدين وبين الجماعات الإسلامية السياسية، لكنه يتبنى موقفا متشددا تجاه الحركات التي يرى أنها تتبنى العنف أو تهدد المصالح الأمريكية، مثل القاعدة وداعش وحماس والحركة الإسلامية.
لكن بالنسبة للحركات الإسلامية التي تعمل في إطار العملية السياسية، فقد اختلفت مواقفه بحسب البلد والظروف، ولم يتخذ موقفا موحدا من جميع تيارات الإسلام السياسي، حيث يميل توجهه العام إلى الحذر والتشدد إذا رأى أنها قد تهدد الأمن أو المصالح الأمريكية.
بصورة عامة، تنطلق مواقف غراهام من رؤية محافظة في السياسة الخارجية تقوم على دعم الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة (وخاصة إسرائيل ودول الخليج)، واحتواء إيران، ومكافحة الجماعات المسلحة، مع الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية إذا رأى أنها تحقق هذه الأهداف.

