مقال للكاتب:فاخر السلطان
إذا صحّ تقرير “نيويورك تايمز” بأن واشنطن وتل أبيب كانتا تدرسان دعم محمود أحمدي نجاد لقيادة مرحلة ما بعد سقوط النظام الإيراني، فإن تداعياته ستكون كبيرة ومعقدة على عدة مستويات داخل إيران وخارجها، على الرغم من أن التقرير لا يزال في إطار التسريبات الإعلامية.
من أبرز التداعيات داخليا، ضرب “رمزية” نجاد داخل إيران. فالرئيس الإيراني السابق بنى جزءا كبيرا من شعبيته على خطاب “معاداة أمريكا وإسرائيل”. لذلك، عند ظهور تقارير تتحدث عن كونه “خيارا أمريكيا” فإن ذلك قد يدمّر صورته لدى جزء من كبير من قاعدته المحافظة وحتى لدى بعض الفئات الشعبية التي كانت ترى فيه “رمزا للفقراء والمستضعفين”.
قد يستخدم خصوم نجاد داخل النظام هذا التقرير لاتهامه ضمنيا “بالخيانة” أو بالتقارب مع الغرب، وهو ما قد يهيّئ الأرضية لتشويه سمعته وإقصائه.
لقد دخل نجاد في صدامات مع مؤسسة السلطة في إيران، وخاصة مع رأس السلطة المرشد الراحل علي خامنئي والمحيطين به، وظهرت بينه وبين ما يسمى بالدولة الإيرانية العميقة توترات علنية. وإذا ترسّخت رواية أنه كان “مرشحا مفضّلا” لواشنطن، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من عزله، وتشديد الرقابة عليه وعلى أنصاره، وتعزيز سيناريو “الاختراق الخارجي” داخل النظام الإيراني.
وحسب بعض المتابعين، يُعتبر نجاد، عالميا، أحد أكثر الرؤساء الإيرانيين تشدّدا تجاه إسرائيل والغرب. لذلك فإن فكرة أن واشنطن أو تل أبيب قد تراهنان عليه، تكشف مقدار البراغماتية أو الارتباك في سيناريوهات “تغيير النظام”. كما قد يثير ذلك انتقادات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل نفسها، لأن نجاد ارتبط بخطابات حادة جدا، مثل إنكار المحرقة.
فيما يتعلق بموقف النظام الإيراني فهو سيستفيد دعائيا من مثل هذا التقرير، لأنه يدعم خطابه القديم بأن الولايات المتحدة تسعى منذ سنوات لإسقاط النظام، وهذا قد يؤدي إلى تشديد القبضة الأمنية والضغط أكثر على المعارضة الداخلية باعتبار أن لها صلات خارجية.
كما أن البعض في المعارضة الإيرانية يعتقدون بأن دعم شخصية من داخل النظام، مثل نجاد، يعني أن الغرب لا يثق فعلا بالمعارضة المدنية أو الديمقراطية. وقد يعتبر آخرون في المعارضة أن القوى الدولية تبحث فقط عن “شخصية قادرة على حفظ الدولة” بغض النظر عن خلفيتها الأيديولوجية وعن ماضيها القمعي.
أمّا دول الخليج فستقرأ هذا النوع من التقارير باعتباره مؤشرا على أن سيناريوهات “ما بعد النظام الإيراني” قد لا تؤدي بالضرورة إلى إيران جديدة متصالحة مع الجوار، بل ربما إلى إعادة إنتاج شخصية شعبوية وقومية من داخل المنظومة الدينية.
أي أن دول الخليج قد تنظر إلى التقرير بقدر كبير من الحذر والريبة، وليس بالضرورة كخبر مطمئن. فالمشكلة، بالنسبة للخليجيين، لم تكن يوما في الأشخاص، بل في طبيعة الدولة الإيرانية وأيديولوجيتها وفي سلوكها الإقليمي.
فالخليج قلق من إعادة إنتاج النظام بصيغة مختلفة. ونجاد يُنظر إليه خليجيا باعتباره أحد أكثر الرؤساء الإيرانيين تصعيدا. ففي عهده توسع النفوذ الإيراني الإقليمي بصورة كبيرة، كما تصاعد الخطاب الثوري والطائفي، وتوسعت أدوار الجماعات الحليفة لإيران (الأذرع) في المنطقة.
لذلك، ترى بعض النخب الخليجية أن نجاد، رغم خلافاته مع مؤسسة السلطة في إيران، يبقى ابن المشروع الديني الإيراني ذي النزعة التوسعية الساعي إلى تثبيت مركزيته الإقليمية.

