أصدرت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» إستراتيجية جديدة، كشفت تحولا حادا وجذرياً في السياسات العسكرية الأمريكية، إذ تجسد عقيدة «أمريكا أولا» من خلال منح الأولوية القصوى للأمن الداخلي، وتقليص التدخل الخارجي في مناطق من بينها شبه الجزيرة الكورية، ومطالبة حلفاء واشنطن بتحمّل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
وتطرقت إستراتيجية الدفاع الأمريكية، التي جاءت في وثيقة من نحو 34 صفحة إلى قضايا عديدة، حيث أشارت بوضوح إلى أن إيران لا تزال تمثل تحديا استراتيجيا مستمرا، إذ تبدو طهران عازمة على إعادة بناء قدراتها العسكرية وقواتها المسلحة رغم كافة الانتكاسات التي تعرضت لها في الفترة الماضية.
ويرى البنتاغون في وثيقته الجديدة أن القيادة الإيرانية تركت الباب مفتوحا أمام احتمال سعيها للحصول على سلاح نووي، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات أمنية معقدة.
وفي ما يتعلق بكيان الاحتلال، تشير إستراتيجية الدفاع الجديدة إلى أن تل أبيب أثبتت رغبتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها، مستندة إلى دعم أمريكي وصفته الوثيقة بأنه حاسم، ولكنه محدود.
وعلى غرار «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرها البيت الأبيض في وقت سابق، يضع البنتاغون أمريكا اللاتينية في صدارة أولوياته.
وجاء في الوثيقة «سنعيد ترسيخ الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة في القارة الأمريكية. سنستخدمها لحماية وطننا ووصولنا إلى مناطق رئيسية في المنطقة».
وتؤسس هذه الرؤية إلى ضمان الوصول العسكري والتجاري الأمريكي المطلق إلى مناطق إستراتيجية رئيسية، مع الإشارة صراحة إلى قناة بنما وجزيرة غرينلاند، كجزء من تأمين المصالح الحيوية في المحيط الجغرافي القريب.
وبشأن العلاقة مع الصين، تدعو الوثيقة الجديدة إلى إقامة علاقات قائمة على الاحترام مع بكين، من دون أي إشارة إلى تايوان حليفة الولايات المتحدة التي تعتبرها الصين جزءا لا يتجزأ من أراضيها.
أما فيما يخص منطقة المحيطين الهندي والهادي، فإن الهدف الرئيسي هو ضمان عدم هيمنة الصين على مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها.
وفي خطوة قد تثير القلق في سول، أظهرت الوثيقة أن وزارة الدفاع الأمريكية تتوقع نقل جزء أكبر من المسؤولية الدفاعية إلى كوريا الجنوبية. وتنص الإستراتيجية على أن كوريا الجنوبية أصبحت قادرة على تحمل مسؤولية ردع التهديدات القادمة من كوريا الشمالية، في حين سيقتصر الدور الأمريكي على تقديم دعم حيوي ولكنه محدود، وهو ما يتماشى مع مصلحة واشنطن في تحديث وضع قواتها في شبه الجزيرة الكورية.
وتجسد إستراتيجية الدفاع الجديدة فلسفة أمريكا أولا بشكل عملي، إذ تعزز التوجه نحو عدم التدخل في النزاعات الخارجية إلا في حدود الضرورة القصوى.
وانتقدت الوثيقة حلفاء الولايات المتحدة التقليديين من أوروبا إلى آسيا، معتبرة أنهم اعتمدوا لفترات طويلة جدا على الإدارات الأمريكية لدعم دفاعاتهم، وهو ما تصفه الوثيقة بـ «الإهمال» الذي طال مصالح الأمريكيين الملموسة في المقام الأول.
وبناء على ذلك، تحث الإستراتيجية الحلفاء على تولي مسؤولية أمنهم بأنفسهم، معلنة عن تحول حاد في النهج والأسلوب والتركيز.
وسيؤدي هذا التحول إلى تقديم الجيش الأمريكي دعما أكثر محدودية لشركائه، مما يتطلب منهم تحمل العبء الأكبر في مواجهة خصوم مثل روسيا وكوريا الشمالية.
وتؤكد الوثيقة أن الأولوية القصوى للبنتاغون في هذه المرحلة هي الدفاع عن الوطن والأمن الداخلي فوق أي اعتبارات أخرى.
وتأتي هذه التوجهات في ظل توترات مع جيران مثل كندا، حيث تتوعد الوثيقة باتخاذ إجراءات مركزة وحاسمة إذا لم يقم الجيران بدورهم في الدفاع عن المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة.

