الكاتب: فاخر السلطان
تتحدث التقارير الواردة من طهران عن ارتفاع وتيرة نشاط المتشددين للإطاحة بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من خلال إظهاره بأنه ضعيف ولا يصلح للمرحلة الراهنة مرحلة الحرب، وبأنه يتبنى توجها يهدف لتقديم تنازلات استراتيجية للولايات المتحدة.
ويعتقد المراقبون أن الصورة الراهنة في إيران أكثر تعقيدا من مجرد صراع بين المتشددين وبزشكيان. ففي ظل الحرب والتحولات الكبيرة في بنية السلطة الإيرانية باغتيال المرشد والقيادات العسكرية الرئيسية، أصبح نفوذ الحرس الثوري ومراكز الأمن أكبر بكثير. ونقلت “رويترز” أن نفوذ الحرس أصبح استثنائيا، وأن بزشكيان نفسه يملك سلطة محدودة في القرارات الاستراتيجية.
ويوجد داخل النظام تيار محافظ “براغماتي”، وفي مقدمته رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، يتقاطع مع بزشكيان في بعض الملفات، خصوصا في التعامل مع أزمة الحرب.
وفي المقابل يرفض المتشددون تقديم تنازلات للولايات المتحدة قام بها قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بدعم من بزشكيان، ويعتقدون أن واشنطن فشلت من خلال هجومها العسكري أن تجبر إيران على التراجع، وأن لا فائدة من أي تفاوض مع قتلة المرشد علي خامنئي وقائد فيلق القدس قاسم سليماني. لذلك، هم يرفضون توجهات الرئيس وحكومته والجناح البراغماتي المؤيد له في مسألة الحرب والتفاوض.
يبقى السؤال: هل هذا الرفض سيؤدي إلى قيام المتشددين بالضغط على بزشكيان لإجباره على الاستقالة؟ هل يستطيعون ذلك؟
أبرز المؤشرات على وجود نية لإقالة بزشكيان أو استقالته، حدث قبل أسبوع تقريبا حينما انتشرت تقارير عن أن بزشكيان قدم أو هدد بتقديم هذه الاستقالة، واضطر هو شخصيا إلى الخروج ونفي ذلك.
من أبرز القوى التي تضغط على بزشكيان لإقالته: جبهة بايداري (جبهة الثبات) وهي أهم قوة أيديولوجية في الضغط وأبرز تجمع سياسي للتيار المتشدد داخل البرلمان وخارجه. وتدور حولها مجموعة من النواب والإعلاميين الذين يعتبرون أي انفتاح على واشنطن أو تنازل في المفاوضات تهديدا لخط النظام.
ومن أبرز الوجوه المرتبطة بهذا المعسكر: سعيد جليلي، الشخصية السياسية الأهم في التيار المتشدد، ومنافس بزشكيان في انتخابات 2024. الشخصية الأخرى هي محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي، ومن أكثر النواب هجوما على بزشكيان وفريق التفاوض. ثم حميد رسايي، وهو من أكثر الأصوات البرلمانية صداما مع حكومة بزشكيان. وأميرحسين ثابتي، وهو من الوجوه الإعلامية والسياسية البارزة للتيار المتشدد. ثم صادق محصولي، من الداعمين والمنظمين لجبهة بايداري.
هذه المجموعة لم تكتفِ بانتقاد الحكومة، ففي يوليو اتهمت بزشكيان وقاليباف بـ”الانقلاب” بسبب مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
كما أن الشبكة السياسية والأمنية والفكرية المحيطة بجليلي ترى أن بزشكيان وقاليباف ذهبا بعيدا في مسألة التفاوض. لذلك فإن الخلاف أصبح في جوهره صراعا على اتجاه النظام أكثر منه خلافا على شخص الرئيس.
وهناك دائرة أمنية/عسكرية داخل الحرس الثوري أصبحت أكثر نفوذا في القرار، وفي مقدمتها رئيس الحرس أحمد وحيدي ورئيس مجلس الأمن القومي محمد باقر ذو القدر، مع شخصيات أمنية أخرى. وتحدثت تقارير عن تضييق هذه الدائرة على صلاحيات الحكومة.
ويجب الإلتفات هنا إلى أن إقالة بزشكيان، دستوريا، ليست قرارا يستطيع المتشددون اتخاذه بمفردهم. فهذا الإجراء يمر عبر مجلس الشورى، ثم إجراءات دستورية أخرى، والأهم أن بقاء الرئيس الإيراني أو رحيله مرتبط في النهاية بتوازن القوى داخل النظام، وليس فقط بعدد النواب المتشددين أو بضغط الشارع السياسي المتشدد ضده.
واللافت أن الضغوط الحالية تتركز أكثر على وزراء بزشكيان. فمثلًا هناك حاليا تحرك نيابي لجمع أدلة بهدف استجواب/إقالة عراقجي، وهو مؤشر إلى أن الضغط على حكومة بزشكيان حقيقي.
وهناك مؤشر آخر مهم جدا. ففي يونيو انتشرت شائعة بأن بزشكيان قدم استقالته بسبب تهميش الحكومة لصالح المؤسسات الأمنية والعسكرية، لكن مسؤولين في الحكومة نفوا ذلك رسميا، وبزشكيان نفسه قال إنه مستمر في أداء مهمته.
لذلك قد يهدف المتشددون حاليا إلى تقليص هامش حركته، ومنع حكومته من تقديم تنازلات كبيرة في التفاوض مع واشنطن، وإضعاف الوزراء المحسوبين على التيار البراغماتي، وإبقاء القرارات الأمنية والاستراتيجية في يد المؤسسات العسكرية والأمنية وعلى رأسها مؤسسة الحرس الثوري. وإذا ما فشل بزشكيان في إدارة الأزمة الاقتصادية أو الخارجية، حينها يمكن تحويله إلى “كبش فداء” وتحميله مسؤولية الفشل.
وعليه، إلى أي مدى سيسمح بزشكيان لنفسه بأن يبقى رئيسا ضعيفا بينما تنتقل القرارات الرئيسية إلى الحرس الثوري ومراكز القوة الأخرى؟ إن هذا يقوّي احتمال بقاء بزشكيان رئيسا “اسميا” في ظل تقلص نفوذه، وهو احتمال أكبر من إقالته رسميا في المدى القريب. غير أن الرئيس “الاسمي” قد يُقدم هو على الاستقالة حفاظا على ماء وجهه.

