فاخر السلطان يكتب:
في ظل التقارير التي تتحدث عن هيمنة الحرس الثوري على القرار السياسي والعسكري والأمني في إيران، وغياب القائد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور في مختلف وسائل الإعلام وإصابته جراء تفجير مقر والده، يحق للمراقب أن يتساءل: من يحكُم إيران اليوم؟ هل الحرس الثوري هو من له اليد الطولى في إدارة إيران؟ أم مجتبى هو الذي يقود شؤون البلاد؟ هل يوجد أي دور سياسي وعسكري وأمني أساسي للرئيس مسعود بزشكيان؟ أو أن إيران تعيش في ظل خربطة دستورية وإدارية بعد إزاحة القيادة القديمة (علي خامنئي) وعدم وضوح الرؤية بشأن دور القيادة الجديدة (مجتبى)؟ كيف يمكن وصف الحالة السياسية في إيران في ظل المرشد الراهن؟
إن الصورة الراهنة في إيران أكثر تعقيدا من القول إن شخصا واحدا يحكمها. من الناحية الدستورية الرسمية، فإن الحاكم الأول اليوم هو مجتبى بعدما أعلنت مؤسسات النظام انتخابه قائدا أعلى خلفا لوالده في مارس 2026. لكن من الناحية العملية، فإن نفوذ الحرس الثوري الإيراني ارتفع بشكل غير مسبوق بعد مقتل خامنئي وبدء الحرب. فالتقارير تشير إلى أن القرارات الكبرى، الأمنية والعسكرية، وحتى الشؤون المتعلقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، باتت تُصاغ داخل دائرة ضيقة تضم قيادة الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي ومكتب المرشد، بينما يؤدي مجتبى دور المظلة الشرعية والسياسية لهذه القرارات أكثر من كونه صاحب القرار الأول والوحيد كما كان والده.
بعبارة أخرى، يُعتبر الحرس الثوري الحاكم الفعلي لإيران راهنا، لكن ليس بصورة رسمية. فهو أقرب إلى “مركز الثقل” في النظام. ففي عهد المرشد السابق كان هو الحكم النهائي بين جميع الأجنحة والتيارات والشخصيات. أما الآن فإن الحرس الثوري هو الجهة الأبرز في رسم السياسات الأمنية والخارجية والعسكرية.
لذلك يمكن القول إن مجتبى هو الحاكم “رسميا”، بينما “عمليا” تدار الأمور على يد الحرس الثوري، وكأن هناك تحالفا بين الاثنين، على الرغم من أن كفة المسائل الأمنية والعسكرية تميل لصالح الحرس.
أما بزشكيان فهو ليس صاحب القرار الأعلى ولا يلعب دورا سياسيا وإداريا وأمني وعسكريا ثقيلا وفق ما يرسم الدستور الإيراني والذي يعتبره الرجل الثاني في البلاد بعد المرشد.
بعد مقتل علي خامنئي شارك بزشكيان ضمن مجلس القيادة المؤقت الذي تولى إدارة المرحلة الانتقالية إلى حين اختيار المرشد الجديد. لكن بعد تثبيت مجتبى عاد بزشكيان إلى موقعه الدستوري كرئيس للحكومة، مع بقاء الملفات الاستراتيجية الكبرى بيد المرشد والحرس الثوري وبعض المؤسسات الأمنية. بعبارة أخرى، يدير بزشكيان الحكومة، لكنه لا يلعب دورا رئيسيا في إصدار القرارات.
في الأيام الأولى بعد مقتل علي خامنئي، وقعت إيران في ورطة دستورية. وينص الدستور الإيراني على آلية انتقال السلطة عبر مجلس مؤقت ثم اختيار مرشد جديد من قبل مجلس خبراء القيادة. لذلك لم يحدث فراغ دستوري طويل. لكن الورطة حسب المحللين ليست دستورية بل شرعية وسياسية.
فمجتبى هو ابن المرشد السابق. وبعض رجال الدين والسياسيين رأوا في انتقال المنصب من الأب إلى الابن نوع من “توريث” للسلطة. وهناك تقارير تحدثت عن تعالي أصوات محتجة على هذه الصيغة، وعن دور ضاغط للحرس الثوري في عملية اختيار المرشد.
إن أقرب وصف يمكن إطلاقه على الحالة السياسية في إيران اليوم هو أن الطابع العسكري للنظام قد زاد بشكل كبير وملحوظ، من خلال الدور الذي بات يلعبه الحرس الثوري.
فرغم أن النظام لم ينهَر بسبب الحرب، ولم يحدث فراغ في السلطة، ولم تظهر انقسامات علنية كبيرة تهدد بقاء الدولة، لكن مركز الثقل انتقل نسبيا من المؤسسة الدينية التي كان يجسدها علي خامنئي إلى شبكة أمنية/ عسكرية يقودها الحرس الثوري والذي يحتمي بشرعية المرشد مجتبى.
أمّا كيف يمكن أن نصف سياسة واستراتيجية الحرس الثوري في ظل الحرب وقيادة مجتبى، فإنها تقوم على مزيج من حماية النظام وتوسيع النفوذ الإقليمي وبناء اقتصاد مواز وإدارة الصراعات بأسلوب غير مباشر. فالحرس الثوري لا ينظر إلى نفسه كقوة عسكرية فقط، بل كحارس لمشروع الإسلام السياسي المنعكس في الجمهورية الإسلامية.
وإذا أخذنا فرضية أن إيران خرجت من الحرب بخسائر كبيرة في البنية العسكرية والقيادية، فإن الحرس الثوري يواجه حاليا عدة تحديات، أبرزها منع تحول أي خلافات داخلية إلى أزمة شرعية للنظام.
لذلك يرى عدد من المحللين أن الحرس الثوري قد يكون اليوم أقوى مؤسسة أمنية وعسكرية داخل إيران، لكنه في الوقت نفسه يواجه أصعب اختبار استراتيجي له منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية، لأن عليه أن يحافظ على نفوذ النظام في وقت تراجعت فيه بعض أدوات القوة التي اعتمد عليها لعقود.

