فاخر السلطان:
وفق مراقبين إيرانيين، يعارض بعض المتشددين في الحرس الثوري وفي السلطة القضائية في إيران أي اتفاق مع أمريكا، ويسعون لعرقلته. ويعتقد هؤلاء أن الهجمات الصاروخية على أهداف أمريكية واستمرار عمليات إعدام متظاهري احتجاجات يناير الماضي، دلائل واضحة على ذلك.
فبعض المتشددين يعتقدون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، ويستشهدون بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، كما يعارضون أي اتفاق يتضمن تنازلات واسعة في الملف النووي أو الإقليمي. ويصف بعضهم المفاوضات بأنها قد تؤدي إلى “استسلام” أو إضعاف لمكانة إيران. وقد انتقد عدد من النواب والشخصيات المحافظة فريق التفاوض.
لكن المتشددين ليسوا جميعا ضد الاتفاق من حيث المبدأ، فبعضهم قد يقبل باتفاق إذا اعتبر أنه لا يمس برنامج إيران النووي بشكل جوهري، ويؤدي إلى رفع العقوبات.
أما الإصلاحيون فيعتقدون أن تخفيف العقوبات وإنعاش الاقتصاد يتطلبان التوصل إلى “تفاهم” مع واشنطن. فهم لا يطرحون بالضرورة علاقة ودية مع أمريكا، لكنهم يرون أن التفاوض ضرورة اقتصادية وسياسية.
في محصلة الداخل الإيراني، يبقى موقف “القيادة العليا” أو موقف مرشد الثورة هو العامل الحاسم. فتاريخياً، حتى عندما كانت هناك معارضة من المتشددين، تم تمرير اتفاقات أو مفاوضات عندما رأى المرشد أن ذلك يخدم مصلحة النظام.
عندما يتحدث المراقبون عن “التيار المتشدد” في إيران فهم لا يقصدون حزبا واحدا، بل شبكة من السياسيين ورجال الدين وقادة المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية الذين يشتركون في رؤية محافظة ومتشددة تجاه الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.
من أبرز رموز هذا التيار حاليا، محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى والقائد السابق في الحرس الثوري والعمدة السابق لطهران، ويُعد من أهم الشخصيات المحافظة في النظام. ورغم تصنيفه ضمن المعسكر المتشدد، فإنه يُنظر إليه أحيانا كبراغماتي أكثر من بعض المتشددين الآخرين، ولذلك يتعرّض أحيانا لانتقادات من الجناح الأكثر تشددا بسبب المفاوضات مع واشنطن.
الرمز الآخر هو محمود نَبَوِيان، نائب بارز ومن الوجوه المعروفة في جبهة “بايداري” (الاستقرار)، وهي من أكثر التيارات الأصولية تشددا. ويُعد نبويان من أبرز المنتقدين لأي اتفاق مع الولايات المتحدة لا يحقق شروطا صارمة جدا لإيران. وقد ظهر اسمه مؤخرا بين أبرز المعارضين لمسار التفاوض.
ينتمي الكثير من المتشددين إلى مؤسسة الحرس الثوري، والتي هي مؤسسة ضخمة وذات نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري. ويرى عدد من قادته أن التنازل أمام واشنطن يهدد “مبادئ” الجمهورية الإسلامية ومكانة إيران الإقليمية.
أحمد خاتمي هو رمز رئيسي آخر في هذا التيار. هو رجل دين مؤثر وإمام جمعة طهران وعضو في مجلس صيانة الدستور ومعروف بخطابه المتشدد وبدفاعه عن السياسات الأمنية الصارمة للدولة.
أما غلام حسين محسني إجّه إي، فهو من أكثر الشخصيات المتشددة إثارة. هو رئيس السلطة القضائية، وشغل سابقا مناصب أمنية وقضائية حساسة، ويُعتبر من رموز التيار المحافظ التقليدي داخل مؤسسات الدولة، وهو من مؤيدي المحاكمات السريعة للمتظاهرين والداعي لإعدامهم دون تردد.
جبهة “بايداري” (الاستقرار) هي تيار سياسي متشدد، ويُصنف هذا التيار على أنه من أكثر القوى الأيديولوجية تشددا داخل البرلمان والإعلام المحافظ، وهو يعارض غالبا تقديم تنازلات للغرب، ويهاجم أي اتفاق يرى أنه يضعف البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي الإيراني.
حين الحديث عن مراكز القوة الحقيقية، فالكثير من المحللين يرون أن القيادة العليا (بيت المرشد) ثم الحرس الثوري ثم المؤسسات الدينية المحافظة، كمجلس صيانة الدستور، ثم شبكة رجال الدين المحافظين المقربين من القيادة، هي الجهات الأكثر تأثيرا في القرارات المتشددة، بينما السياسيون والنواب المتشددون يعكسون توجه هذه المؤسسات أكثر مما يصنعونها بأنفسهم.
ويجب الإشارة هنا إلى أن الانقسام داخل المعسكر المحافظ اليوم ليس بين “متشددين” و”معتدلين” فقط، بل بين متشددين يرون ضرورة التوصل إلى صفقة محدودة مع واشنطن لأسباب اقتصادية، ومتشددين آخرين يرفضون تقريبا أي تنازل مهما كان حجمه.
هناك ثلاثة دوافع رئيسية تُذكر عادة لتفسير معارضة بعض المتشددين للاتفاق مع الولايات المتحدة. الأول هو الدافع الأيديولوجي والسياسي. فبالنسبة لكثير من المتشددين، الخلاف مع الولايات المتحدة ليس مجرد خلاف حول العقوبات، بل جزء من هوية النظام. هؤلاء يرون أن الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية أو تغيير سلوكها جذريا أو حتى تغيير النظام برمته. كما يرون أن أي تقارب كبير مع واشنطن قد يؤدي إلى نفوذ سياسي وثقافي أمريكي داخل إيران.
الدافع الثاني هو المصالح المؤسسية والاقتصادية. فالعقوبات الأمريكية أدت إلى نشوء ما يسميه بعض الباحثين “اقتصاد العقوبات”، حيث ظهرت شبكات وشركات ووسطاء يستفيدون من الاستيراد عبر أطراف ثالثة، ومن التجارة غير المباشرة، ومن شبكات النقل والتمويل البديلة، ومن العقود التي تُمنح لجهات مرتبطة بمؤسسات نافذة.
ويرى بعض المحللين أن رفع العقوبات وعودة الشركات الأجنبية والمنافسة الدولية قد يضعف نفوذ بعض هذه الشبكات ويقلل أرباحها. لكن، ليس كل المتشددين مستفيدين ماليا من العقوبات، كما أن الاقتصاد الإيراني ككل تضرر بشدة من العقوبات.
الدافع الثالث هو الخوف من التغيير الداخلي. فهناك اعتقاد لدى بعض المتشددين بأن تحسن الاقتصاد بعد رفع العقوبات قد يقوي التيارات الأكثر انفتاحا. وأن زيادة التواصل مع الغرب قد تؤدي إلى مطالب اجتماعية وسياسية أكبر. إضافة إلى أن الانفتاح الاقتصادي قد يغير التوازنات الداخلية التي تشكلت خلال سنوات العقوبات. بعبارة أخرى، بعض المتشددين لا يخشى الاتفاق نفسه فقط، بل يخشى الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تترتب عليه.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن العقوبات تفيد الحرس الثوري. فبعض الأنشطة والشركات المرتبطة بمؤسسات نافذة قد تكون استفادت من ظروف العقوبات، لكن العقوبات لم تكن مفيدة للاقتصاد الإيراني ككل، ولا حتى لجميع أجنحة الحرس الثوري أو المحافظين.
لهذا نجد أن بعض الشخصيات المحافظة والمتشددة قد تؤيد اتفاقا مع أمريكا إذا كان يرفع العقوبات دون أن يمس ما تعتبره إيران خطوطا حمراء أمنية أو نووية. لذا، تفسير معارضة المتشددين بالقول إنهم “يريدون استمرار العقوبات لأنهم يربحون منها” يفسر جزءا من الصورة، لكنه لا يفسرها بالكامل. فالعوامل الأيديولوجية والأمنية والسياسية تلعب دورا أيضا، وربما تكون لدى بعض القيادات أكثر أهمية من المكاسب الاقتصادية المباشرة

