فاخر السلطان:
حسب الأخبار المتداولة، استطاعت قطر تحقيق بعض التفاهم بين أمريكا وإيران بشأن “الأموال الإيرانية المجمدة”، حيث أحرزت مباحثات الوفد الإيراني الرفيع في الدوحة تقدما في الإفراج عن مبلغ يصل إلى 12 مليار دولار. وفي الوقت نفسه نفت الخارجية القطرية صحة تقارير قالت إن الدوحة عرضت على إيران مبلغ 12 مليار دولار لضمان التوصل إلى اتفاق مع الأمريكان. والسؤال الذي يمكن أن يُطرح هنا: لماذا تلعب قطر هذا الدور فيما هي عانت الكثير جراء العدوان الإيراني عليها أثناء الحرب الأخيرة؟
تقوم السياسة القطرية أساسا على فكرة “الوساطة لا القطيعة”. فرغم العدوان الإيراني عليها، فضّلت الدوحة تكثيف جهودها الدبلوماسية من أجل وضع حد للحرب الأمريكية الإيرانية، باعتبار أن هذه الجهود، إن نجحت، ستوقف التهديدات الإيرانية ضدها. أي أن “الوساطة تمنح الحماية والنفوذ أكثر من القطيعة” حسب ما يُتداول. فرغم أن الهجمات الإيرانية على قطر اعتُبِرت “انتهاكا صارخا للسيادة”، لكن الدوحة لم تتجه لقطع العلاقات مع طهران.
ترى الدوحة أن استمرار قنوات الاتصال مع طهران يحميها من تصعيد أكبر وضمن إطار أوسع، خليجي، يمنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. كذلك حافظت الدوحة على دورها الإقليمي كوسيط لا يمكن تجاوزه. والمحصلة هي أنها استطاعت أن تحمي الاقتصاد والطاقة والاستثمارات.
فوساطة الدوحة لا تعني بالضرورة “الثقة الكاملة” بإيران، بل تعني إبقاء القدرة على التأثير واحتواء الأزمات ومنع تكرار الهجمات. فالقيادة القطرية تدرك أن الجغرافيا تفرض عليها التعامل مع إيران.
كذلك، من المهم الإشارة إلى أن قطر بنت خلال العقدين الماضيين مكانتها الدولية على لعب أدوار الوساطة، خاصة لمسائل تهم الولايات المتحدة. فهي توسطت بين أمريكا وطالبان، وبين حماس وإسرائيل، وحاليا بين أمريكا وإيران حول الأموال المجمدة. وهذا الدور وفّر لها علاقات قوية مع واشنطن وقيمة استراتيجية عالمية.
إضافة إلى ذلك، هناك اعتبارات المصالح المشتركة بين قطر وإيران، مثل حقل الغاز الضخم المشترك والذي هو أكبر حقل غازطبيعي في العالم، وأي انهيار كامل للعلاقة قد يعرّض أمن الطاقة والاقتصاد القطري للخطر.
يحمل هذا الحقل اسمين مختلفين. في الجانب القطري يُسمى “حقل الشمال”، وفي الجانب الإيراني يُسمى “بارس الجنوبي”، ويقع في مياه الخليج بين البلدين، وهو قد اكتُشف في السبعينيات، وتبيّن لاحقا أنه يحتوي على احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي تُقدّر بعشرات التريليونات من الأمتار المكعبة، ويُعتقد أنه يحتوي على نحو 10% من احتياطات الغاز العالمية.
هذا الحقل هو أساس الثروة الغازية القطرية، ومن خلاله أصبحت قطر واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. أما بالنسبة إلى إيران فهو شريان حيوي للطاقة والكهرباء والصناعات البتروكيماوية. ويقع نحو 6000 كيلومتر مربع منه ضمن المياه القطرية، ونحو 3700 كيلومتر مربع منه ضمن المياه الإيرانية.
ويُثار اسم الحقل كثيرا أثناء التوترات العسكرية، لأن أي استهداف له قد يؤثر على صادرات الغاز العالمية وعلى أسعار الطاقة، وإمدادات الكهرباء في عدة دول.

